بيروت: حكايةُ وطن


جميلٌ أن تنضمُّوا إلى هذه الرحلةِ في أحياءٍ من بيروت، لتَرَوا تاريخَها المعاصِرَ وتستمِعُوا إلى حكاياتٍ من ذاكرتِها1. فبيروتُ2 التي ظَهَرَت في العَصرِ الحَجَريّ حينَ تَراجَعَ البحرُ قليلاً، بَقِيَت مِثلَ مَركَبٍ في بحرٍ يَهدَأُ تارةً ويَهِيج طَوراً. وبرَغمِ السُّورِ الذي رَفَعَهُ الكَنعانيُّون حولَها، وقد تهدَّمَ ورُمِّمَ مِراراً وتغيّرت خريطتُهُ واستمرَّ حتى أواخرِ العهدِ العثمانيّ3، لم تَبقَ بيروتُ منعزلةً. وقد نَشِطَ مَرفَأُها في نقلِ البضائع، والأهمُّ أنّهُ كانَ صِلةَ وصلٍ بينَ شعوبِ الأرض. وبعدما جُعِلَت عاصمةً لدولةِ لبنانَ الكبير4 (1 أيلول 1920)، ومعَ ما شَهِدَتهُ من أحداثٍ سياسيةٍ وأمنية، داخليةٍ وخارجية، وتغيُّراتٍ ديموغرافيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّة، صارَت حكايةَ وطن. لذا، فإنّ الجَولَةَ هذه رِحلةٌ في تلكَ الحِكاية. وفي الحِكاية، ستجِدُونَ كيفَ امتزَجَتِ النهضةُ معَ الأَزَمات، السلمُ معَ الحرب، العُمرانُ معَ الدمار، الانفتاحُ معَ الانغلاق، الاتحادُ معَ التفتُّتِ، الدولةُ معَ الفوضَى، الاستقلالُ معَ التبعيَّة، السيادةُ معَ الاحتلال، البحبوحةُ معَ البُؤس، الحقيقةُ معَ الطَّمس، الشاهدُ معَ النِّسيان، الماضِي مع الحاضرِ والمُستقبل. ولأنَّ محطَّاتِ جولتِنا شَهِدَت أحداثاً في الحرب (1975- 1990)، حَرَصنا على ألّا ننحازَ إلى أيٍّ من الأَفرِقاءِ الذين تَقَاتَلُوا، وعلى ألّا نَتبنَّى سَردِيَّةً دونَ أخرى. وبمَعزِلٍ عمّا إذا كُنّا نَجَحنا في ذلكَ أم لا، والأمرُ نِسبيّ، نُكررُ معَ المؤرِّخ كمال الصليبي[5][6] دعوةَ اللبنانيينَ إلى تنظيفِ منازِلِهِم من العناكِبِ وإعادةِ كتابةِ تاريخِهِم بمَنهجِيَّاتٍ عِلمِيَّةٍ بعيداً مِنَ النِّكاياتِ والتَّبريراتِ والإدانات. ونُضيفُ إلى ذلك دعوةَ جورج قرم إلى التحرّرِ من الأحكامِ المُسَبَّقة وتجاوزِ “ثقافةِ الفِتنة” وذلكَ “من أجلِ ثقافةٍ وطنيّة”7. ولم تَفُتنا، ونحنُ نَعبُرُ حقولَ الألغامِ والمعابرَ وجَبَهاتِ القِتال، حمايةُ الإيجابيِّ والمُشرِقِ والجَميلِ في مُجتمعِنا وثقافتِنا وقِيَمِنا وعاصمَتِنا، وفي ماضِينا ومُستقبلِنا وحاضرِنا. وَيبقَى الرِّهانُ على المعرفةِ والوَعيِ.
- في شأن الحفاظ على الذاكرة و”رغبة تبديد الذكريات المؤلمة” التي سادت بعد الحرب، أنظر كتاب “حرب لبنان: من الشقاق الوطني إلى النزاع الإقليمي 1975- 1982″، سمير قصير، ترجمة سليم عنتوري، “دار النهار”،2023، وخصوصاً الصفحة 16. و”13 نيسان: ذاكرة للنسيان”، ضمن كتاب “عكس السير”، فواز طرابلسي، “رياض الريس للكتب والنشر”، 2002.
- مختصر “تاريخ بيروت”، تأليف عصام محمد شبارو: “تُعتَبر بيروت من أقدم المدن على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، إذ تكوّنت أرضها في العصر الحجري القديم. ويُرجَّح أنَّ اسمها مشتقٌّ من كلمة بيروتا الآراميّة، ومعناها الصنوبرة (Bruta Ilois)، ومن الكلمة العبرية بئروت (Be eroth)، وهي جمع كلمة بئر. ذلك أنّ بيروت اشتهرت بأشجار الصنوبر وبالآبار. وقد سكنها في العصر الحجري الحديث “مزيج من عروق وشعوب”. وفي الألف الثالث قبل الميلاد، وصل الكنعانيّون المهاجرون من شبه الجزيرة العربية إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط. وصارت بيروت من أشهر الممالك، إلى جانب أرواد وجبيل وصيدون وصور، ويُرجّح أن الجبيليين هم من أقاموها. وقد طمعت مصر الفرعونية بها ومدّت سيطرتها عليها (2000- 1200 ق.م.). بعد ذلك، في العصر الذهبي للمدن الفينيقيّة وتوسّعها التجاري (1200- 64 ق.م.)، تراجع حضور بيروت. وتحوّلت إلى ممرٍّ للجيوش الآشورية والكلدانية والفارسيّة (900- 333 ق.م.) في حروبها للسيطرة على المدن الفينيقيّة وسوريا ومصر. وبعدما فتحت أبوابها أمام الجيش اليوناني بقيادة الإسكندر المقدوني (333- 64 ق.م.)، دخلت تحت حكم الدولة السلوقية وأنهكتها حروبها. وفي سنة 64 ق.م.، احتل الجيش الروماني بيروت التي دخلت أوج عصرها واشتهرت بمدرسة الحقوق. وقبل أن يُعلن الإمبراطور قسطنطين الكبير المسيحيّة دينا للدولة واجه المؤمنون المسيحيّون الإضطهاد، ومن شهداء المسيحيّة في تلك الفترة بامفيلوس الذي ولد في بيروت، والقدّيس جورجيوس (مار جرجس) الذي قتل التنّين في خليج بيروت (يُعرف بخليج مار جرجس). وكان يُحكَم على الذين يجهرون بمسيحيّتهم بالأعمال الشاقة في مناجم الحديد في بيروت ومناجم النحاس في صيدا. وبعد سبعة قرون من الحكم الروماني، فتحت الجيوش الإسلامية بيروت (634- 661 م.). وبعد نحو قرن من استيلاء الصليبيين على بيروت (1110)، دخلها جيش صلاح الدين الأيوبي (1187)، لكن بعد وفاته (1193)، عادت إلى حكم الصليبيين حتى 1291 حين وقعت تحت سيطرة المماليك، الذين جعلوها الميناء الرئيسي لبلاد الشام وقد حكمها التنوخيون. وفي 1516، دخلت بيروت تحت حكم الأتراك العثمانيين الذي استمر أربعة قرون، وكانت نهايته مع نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918″ (“دار مصباح الفكر”، 1987، من الصفحة 9 حتى 122).
- “بيروت المحروسة في العهد العثماني”، حسان حلاق، “الدار الجامعية”، 1987.
- “دولة لبنان الكبير (1920- 1996) 75 سنة من التاريخ والمنجزات”، مجموعة مؤلّفين، “منشورات الجامعة اللبنانية”،1999. “نشوء لبنان الكبير 1920″، مشترك: مروان بحيري، سيما فرح، يوسف المر، محمد السعيدي، جانينا سنتر، بيار نقّاش وفواز طرابلسي، “رياض الريس للكتب والنشر”، 2025. و”لبنان نشأة الحرية والديمقراطية في الشرق الأدنى: جذور لبنان الكبير”، هيام جورج ملّاط، “نوفل”، 2020.
- أنظر: “كمال الصليبي وتاريخ لبنان: صناعة أمة؟” ضمن كتاب “علم التاريخ العربي الحديث”، يوسف الشويري، “مركز دراسات الوحدة العربية”، 2019. و”الهرطوقي الحكيم: حوار مع كمال الصليبي”، صقر أبو فخر، “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، 2012. و”كمال الصليبي: الإنسان والمؤرّخ (1929- 2011)”، مجموعة مؤلّفين، “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، 2016”.
- https://bookstore.dohainstitute.org/p-778.aspx
- “لبنان المعاصر: تاريخ ومجتمع”، جورج قرم، “المكتبة الشرقية”، 2004. وتجد “من أجل ثقافة وطنية لما بعد الفتنة في لبنان” في الصفحة 300).
